محمد بن جرير الطبري

198

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كانوا فيها ، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل ، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم ، ثم قبضه الله إليه ، لا يعلم قبره أحد من الخلائق . * * * قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : إن " الأربعين " منصوبة ب - " التحريم " = وإنّ قوله : " محرمة عليهم أربعين سنة " ، معنيٌّ به جميع قوم موسى ، لا بعض دون بعض منهم . لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم ، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض . وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة ، فتيَّههم أربعين سنة ، وحرَّم على جميعهم ، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين ، دخولَ الأرض المقدَّسة ، فلم يدخلها منهم أحد ، لا صغير ولا كبير ، ولا صالح ولا طالح ، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها . ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما ، وافتتح قرية الجبارين ، إن شاء الله ، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم ، وعلى مقدّمته يوشع ، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم . ( 6 ) فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه ، وهو من أعظم الجبارين خلقًا ، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها . ولكن ذلك كان ، إن شاء الله ، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها ، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم . وبعدُ : فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور ، ( 7 ) كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى . ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم ، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا ، فأما ولا طالب ، فلا وجه للحاجة إليها .

--> ( 6 ) في المطبوعة : " عوج بن عنق " ، وأثبت ما في المخطوطة . وانظر ما سلف أنه روى في اسمه " عاج " ص : 192 ، تعليق : 2 . ( 7 ) في المطبوعة : " باعوراء " ، وأثبت ما في المخطوطة .